محمية من الزمن
لا تنظر إلى ساعتك مرة أخرى، ذلك الشيء العديم الفائدة الذي يقيس الزمن على نحو مضجر وفق الغرور البشري، هذان العقربان الصغيران اللذان يحدّدان الساعات الطويلة التي اخترعت لتمويه الزمن الحقيقي، الذي يتسابق بسرعة قاتلة وصفيقة لا يمكن لأي ساعة قياسه على الإطلاق. حياة، قرن، خمسون سنة: لم يعد بإمكانك تخيّل تلك المقايس الكاذبة، لا تستطيع أن تمسك بين يديك ذلك الغبار الذي لا جسم له.
-كارلوس فوينتس
أحيانًا أحب التفكير بأن ذواتي الماضية ما زالت تعيش في صندوق اللحظات التي مررت بها، فأنا ما زلت على الشاطئ أمام زرقة البحر وانعكاس الشمس يخترق عيني، ما زلت على سطح بيت صديقتي نجلس جميعًا داخل عريشة مزينة بالأضواء في بداية فصل الشتاء، ما زلت في صف التحفيظ أتبادل الحديث الودي مع الزملاء؛ في ساعات العصر التي كانت تقتلني قبلها.
ما زلت هناك، في كل مكان منهم، لا لم تنتهِ اللحظة بل أنا هناك، لا أفهم كيف تنتهي اللحظات لأنني ما زلت فيها محمية من الزمن، عن مروره، تلاشيه وانتهائه. ما زلت في السيارة برفقة عائلتي نتبادل الاحاديث ورائحة النعناع تنتشر في الداخل؛ الطريق طويل وسلس، الليل هادئ وأصواتنا صاخبة، عندما فكرت في تلك الليلة أن الحياة تستحق…تستحق أن تُعاش. أنا ما زلت هناك.
لا أعلم إن كان تفكيري هو محاولة تأقلم مع الحياة أم مجرد عبث محض، عندما أسمع بخبر موت أحدهم أول ما يتبادر إلى ذهني أنه رحل مع الكثير من اللحظات، المعلومات والذكريات، حياة كاملة رحلت ولن نعلم عنها شيئًا، وإن علمنا… فما الفائدة؟. تتراكم الحيوات بشكل لا أستطيع استيعابه، فأنا محدودة جدًا. لكنني على الأقل ما زلت هناك في لحظات كثيرة، في اللحظة التي وجدت فيها والدي بوجهه المبتسم، في حضن والدتي، في سهرة مع إخوتي، في حديث صادق مع صديقاتي، أنا ما زلت في كل لحظة منهم، أنظر للبعيد جاهلة محمية، آمنه…من مرور الزمن.

